أيسلندا
الطاقة النظيفة هي محور التعاون الإماراتي- الآيسلندي 11 مارس 2014

في مقابلة حصرية أجراها معه الموقع الإلكتروني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تفضّل فخامة الرئيس الدكتور أولافور راغناز غريسمون، رئيس جمهورية آيسلندا، بالتعبير عن وجهة نظره حيال الأزمة في أوكرانيا، والطاقة الخضراء، والتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ومستقبل أوروبا. وقد أجريت هذه المقابلة على هامش المحاضرة التي ألقاها غريمسون بعنوان: اقتصاد الطاقة النظيفة: سبيل للتعافي من الأزمات المالي في المركز بتاريخ 5 مارس 2014. وفيما يلي نص المقابلة:

س: هذه هي الولاية الخامسة لفخامتكم كرئيس لآيسلندا، وقد شهدت البلاد في عهدكم الكثير من التطورات، حلوها ومرّها؛ ما الإنجاز الأكبر الذي حققتموه على مرّ هذه السنوات؟

ج: حين أتأمل ما تعلمتُه خلال مسيرتي العامة الطويلة، أجد حقيقة بسيطة للغاية تزداد وضوحاً بالنسبة إليّ كلما مرت الزمان؛ فأول نشاطاتي السياسية كانت في منتصف ستينيات القرن العشرين. ودخلت البرلمان عام 1978. كما أتيحت لي الفرصة للعمل على الصعيد الدولي، مع قادة منتخبين وغيرهم على حد سواء. ومررت بالعديد من الأزمات السياسية والاقتصادية المختلفة. ولذلك، حين أعود بذاكرتي إلى التحديات التي واجهتها والقرارات التي اتخذتها، أرى أن الاستنتاج الأهم الذي أستخلصه بسيط جداً؛ إنه مؤلف في الواقع من ثلاث كلمات: ثق بالناس العاديين! ثق بالأشخاص الذين يعملون في المصانع، وفي مواقع البناء، وفي المدارس والمستشفيات؛ ثق بأولئك الذين يتضامنون فيما بينهم في كل مجتمع يومياً. ثق بحكمتهم الفطرية وبشعورهم بالإنصاف.

س: أهكذا تسير الأمور في الغرب اليوم؟

ج: جلّ السياسة الحديثة، في العالم الغربي بشكل خاص، تحرّكَ نحو دوامة العلاقات العامة التي لا نهاية لها. إنهم يفترضون أنه إذا كنتَ تتمتع بقدر كاف من الذكاء في علاقاتك العامة، يمكنك اصطحاب الناس إلى أي مكان. حين أعود بذاكرتي إلى شتى الأزمات التي عصفت ببلادي، وعلى الصعيد الدولي أيضاً، من اللافت للنظر جداً أن أرى كيف أن الرأي الصائب كان سائداً في كثير من الأحيان لدى الناس العاديين، وليس لدى أهل الخبرة أو من يسمون خبراء تسييس الرأي العام. وهذا ما عبّر عنه إبراهام لنكولن بأسلوبه الأنيق جداً: يمكنك خداع بعض الناس بعض الوقت، ولكن لا يمكنك خداع كل الناس كل الوقت؛ وهذا ينطبق على القرن الحادي والعشرين قدر انطباقه على تلك الأيام.

س: كيف تنظرون إلى التقدم الذي أحرزه جيرانكم في المنطقة، بلدان الشمال الأوروبي، في السنوات الأخيرة؟

ج: أولاً وقبل كل شيء، اسمح لي أن أؤكد أن بلدان الشمال الأوروبي الخمسة - فنلندا والسويد والنرويج والدنمارك وآيسلندا - تشكل نموذجاً مثيراً للاهتمام جداً وناجحاً من الديمقراطيات واقتصادات الرفاه وبيئة الأعمال الناجحة. ولدينا أيضاً وجهة نظر ثاقبة حيال أهمية البيئة وحق المساواة بين الناس في كل مكان. ويرمز نموذج الشمال الأوروبي إلى هذا النوع من النجاح. ولكن لا بدّ من أن نتذكر أنه على الرغم من أننا في عائلة الشمال الأوروبي الناجحة هذه متضامنون، إلا أننا مختلفون؛ فبعض بلدان الشمال الأوروبي عضو في الاتحاد الأوروبي وبعضها الآخر ليس عضواً فيه، وبعضها عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وبعضها لا... يمكننا معاً إثبات أنه حتى على الرغم من اختلاف تاريخ كل بلد من بلداننا، وعلى الرغم من أن بعضها حكمَ الآخر – كما فعلت السويد أو الدنمارك في القرون السابقة – وعلى الرغم من أننا ننتمي إلى تحالفات مختلفة، إلا أنه مازال بوسعنا أن نتضامن في واحد من أنجح النماذج الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها القرن العشرون.

س: وماذا عن أوروبا كلها؟

ج: تضم أوروبا دولاً ذات تواريخ مختلفة. هناك خلفيات دينية مختلفة وتجارب مختلفة، من الشيوعية والنازية والفاشية. أذكرُ الناس أحياناً أنه في السنوات الأولى من حياتي، لم يكن هناك سوى ست ديمقراطيات في أوروبا. وحين بدأتُ، بوصفي عضواً في البرلمان في سبعينيات القرن الماضي، التعاونَ مع القادة السياسيين في إسبانيا والبرتغال واليونان، كانوا جميعاً إما في المنفى معظم حياتهم، وإما مسجونين من قبل أنظمة عسكرية. ومع ذلك، تعدّ رؤية أوروبا بوصفها مجالاً للسلام أمراً في غاية الأهمية لأن الحربين العالميتين خلّفتا عواقب وخيمة ومأساوية. وبهذا المعنى يمكننا القول إن العقود القليلة الماضية كانت ناجحة بالنسبة إلى أوروبا.

س: ولكن هل ترى أن مشروع الاتحاد الأوروبي ناجح؟

ج: كثيراً ما اعتقدتُ شخصياً أن نجاح ما يسمى المشروع الأوروبي سيعتمد على إذا ما كان الزعماء الأوروبيون يتمتعون بما يكفي من الحكمة لجعل المشروع محدوداً وألا يكون طَموحاً دائماً. فإذا اقتصر المشروع الأوروبي ببساطة على التعاون الاقتصادي، يمكن أن يكون ناجحاً جداً. أما إذا رغبت الدول الأوروبية في إضافة طموحات سياسية إليه، وحلمت بسياسة خارجية تتطلّع بها إلى أن تكون في مصاف الدول الكبرى، وقارنت نفسها بالولايات المتحدة أو الصين، فسيكون المشروع حينها محفوفاً بالمخاطر. والسؤال هو: هل أوروبا للناس العاديين ولطريقة حياة أفضل أم هي مشروع دولة كبرى؟ فإذا كانت في الأساس للناس العاديين وطريقة لحياتهم، فيمكن أن تكون حينئذ ناجحة جداً؛ ولكن كلما مالت أكثر نحو كونها مشروع دولة كبرى، سيكون مصيرها مثل جميع المشروعات التي على هذه الشاكلة تقريباً، الفشل عاجلاً أو آجلاً.

س: لقد رأينا مشاهد مثيرة في شوارع أوكرانيا في الأسابيع الأخيرة. هل ترى تأكيد روسيا المتنامي لمكانتها في الشؤون الإقليمية والدولية دلالة على تطورات مقبلة، قد تكون بداية لحرب باردة جديدة؟

ج: أولاً وقبل كل شيء، ليس لدي معلومات تفصيلية عن الأحداث الأخيرة في أوكرانيا. لديك طموح الشعب، وصعوبة خلق هيكل ديمقراطي للسلطة، وتواريخ مختلفة، وممارسات دينية مختلفة. كما أن تاريخ أوروبا الشرقية والوسطى خلال الأربعمائة سنة الماضية قد أظهر أنه من الصعب جداً خلق ديمقراطيات متناغمة من هذه المكونات. ولكن لا أعتقد أننا سوف نرى حرباً باردةً أخرى. والسبب في ذلك هو نجاح ما يسمى دول القطب الشمالي في استبدال التحشيد العسكري الذي تم في هذا الجزء من العالم خلال الحرب الباردة، بتعاون ناجح جداً وسلمي بين روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا ودول الشمال الأوروبي الخمس. في السنوات الخمس عشرة الماضية أو نحو ذلك، انشغلت بقية دول العالم بأفغانستان، والعراق، والشرق الأوسط - ومؤخراً في ليبيا، ومصر، وسوريا – بحيث لم يتمكن معظم الناس من الاهتمام بها.

س: ما الذي يجعلك متفائلا بأن الأوضاع داخل أوكرانيا وحولها لن تتدهور؟

ج: كانت هذه المنطقة هي المنطقة الأكثر عسكرة والتي مزقتها الصراعات في العالم لأكثر من 50 عاماً. هذا هو المكان الذي واجه فيه الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية بعضهما بعضاً بكل الأجهزة العسكرية المبتكرة، والغواصات، والصواريخ، والطائرات، وكانت جميع القواعد العسكرية هناك. وقد اعتاد جيلي على التفكير بأن هذا الصراع سيظل قائماً هناك. ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة وخلال الخمس عشرة سنة الماضية، نجح ما يسمى منطقة القطب الشمالي – روسيا، ودول الشمال الأوروبي، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية- في التوصل معاً إلى علاقة متناغمة جداً في التعامل مع هذا الجزء من العالم، الذي تتزايد أهميته من حيث الموارد، وخطوط الشحن الجديدة وغيرها من مكونات الاقتصاد العالمي في القرن 21. ولذلك، بالنسبة إلي سيكون مربكاً إذا ما انعكس هذا التحول الذي حصل في منطقة القطب الشمالي من منطقة تعاني الصراعات العسكرية بشكل كبير إلى منطقة متناغمة يسودها السلام والتعاون.

س: لقد دافعتم عن قضية الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية لسنوات عدة. وتحاول دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص ومنطقة الخليج بشكل عام، أن تتخلص من اعتمادها على النفط . كيف تقارن ذلك مع تقدم بلدكم في هذا المجال؟

ج: هذه هي الرؤية الملهمة التي جلبتني إلى أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة في المقام الأول. فقبل نحو ثماني سنوات، جاء الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الدولة والرئيس التنفيذي لمبادرة "مصدر"، إلى بلدي، وتحدث عن رؤية تتولى فيها مبادرة "مصدر" موقع الريادة في أن تشرح للعالم أن الطاقة النظيفة على المدى الطويل ليست ضرورية فحسب، بل أيضاً قابلة للتنفيذ كعمل تجاري جيد. وتعتبر آيسلندا نموذجاً مهماً جداً لأننا تخلصنا خلال جيل واحد من الاعتماد على النفط والفحم المستوردين لمصلحة طاقة نظيفة بنسبة 100% من حيث الكهرباء والتدفئة المنزلية. بالنسبة إلينا، أصبح ذلك عملاً تجارياً جيداً واستثنائياً. وبالتالي، فإن آيسلندا هي دليل على أن التحول إلى الطاقة النظيفة ليس مجرد عملية مسؤولة بيئياً، وإنما هو أيضاً عمل تجاري جيد ودعامة قوية للانتعاش المالي.

س: ما الذي يجعل دولتين مثل الإمارات العربية المتحدة وآيسلندا قريبتين من بعضهما بعضاً؟

ج: أجد أنه من المثير جداً الاهتمام بالنسبة إلى بقية العالم أنه لديك هنا في السنوات 6-7 الماضية، أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة من جهة، وآيسلندا من جهة أخرى تتعاونان بشكل متزايد على نشر رسالة مستقبل الطاقة النظيفة إلى بقية دول العالم. لقد قلت هذا لكثير من الزملاء في أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، وآسيا، أنه إذا كان بلدي والإمارات العربية المتحدة تستطيعان التعاون بهذا الشكل، فإنه يمكن للجميع القيام بذلك. ولو قلت قبل عشر سنوات إن دولة الإمارات العربية المتحدة وآيسلندا بدأتا التعاون في أي شيء، لظن الجميع أنها مزحة. ولكن هذا التعاون أصبح الآن ركيزة لتعاوننا الدبلوماسي، والسياسي، والتجاري.

س: يحتفل مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالذكرى السنوية العشرين لتأسيسه في هذا الشهر. ما هي انطباعاتك الأولى حول مراكز أبحاث مثل هذه، وما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه في وضع الخطوط العريضة وتقديم وجهات النظر حول الملامح الاستراتيجية للعالم؟

ج: يعتبر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالنسبة إلي مثالاً ملهماً جداً عن الكيفية ينظر قادة هذا البلد من خلالها إلى البحث عن المعرفة، والمحاولات المتنامية لوضع البحوث كأساس ضروري لصنع السياسات الناجحة. يستند كثيرٌ مما نراه في أجزاء أخرى من العالم على افتراضات عفا عليها الزمن، والجهل، ونقص البحوث المناسبة حول القرارات التي ينبغي لك اتخاذها. ولذلك أجد أن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية مثال ملهم آخر على كيفية إقرار القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة بأنه على أي زعيم يتمتع بالحكمة أن يجعل المعرفة عنصراً أساسياً في عملية صنع القرار. ولذلك، قبلت بكل سرور الدعوة لإلقاء محاضرة في مركز الإمارات.

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز