الأمن الإقليمي
على الناتو ألا يستمر في أفغانستان بعد 2014 20 فبراير 2014

في مقابلة حصرية مع الموقع الإلكتروني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، عبّر سعادة الدكتور خافيير سولانا (الأمين العام السابق لمجلس الاتحاد الأوروبي، الممثل الأعلى لشؤون الأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الأمين العام السابق لحلف الناتو) عن آرائه حول مجموعة موضوعات مهمة شملت الصراع في سوريا، وعملية السلام في الشرق الأوسط، ودور الاتحاد الأوروبي في الشؤون العالمية. وقد أجريت المقابلة على هامش المحاضرة التي ألقاها د. سولانا في المركز بعنوان المشهد الأوروبي عام 2014. وفيما يلي نص المقابلة:

اخترتم دولة الإمارات العربية المتحدة لتناقشوا فيها موضوعاً شديد الأهمية كالمشهد الأوروبي عام 2014. أين تقع الإمارات ومنطقة الخليج في تصور أوروبا للشؤون العالمية؟

الاتحاد الأوروبي ينظر إلى دول منطقة الخليج العربي بكثير من الاهتمام. ننظر إلى تاريخ المنطقة، وحاضرها، وآمل بشدة أن يكون مستقبلها موضع اهتمام أيضاً. هذه المنطقة جزء من العالم العربي، وهذا الجزء يمتلك الثروات والتكنولوجيا. ولدى منطقة الخليج رؤى استراتيجية مهمة جداً، ودور استراتيجي تلعبه في الساحة العالمية. ولذلك نريد أن يكون لنا علاقات اقتصادية وسياسية وطيدة مع المنطقة عموماً. لدينا علاقات جيدة مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ونحن نسعى إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين. ولدينا علاقات مميزة جداً مع الإمارات العربية المتحدة. وهي دولة فتية ومنفتحة جداً، وتمتلك بنية تحتية ممتازة. وأنا سعيد جداً لأنني أزور الإمارات بانتظام، وأتمنى لها كل الخير والازدهار.

هل توافقون على الرأي القائل إن الأزمة المالية الطويلة قد استنزفت بشكل كبير رأس المال السياسي للاتحاد الأوروبي؟ وماذا يستطيع الاتحاد أن يفعل ليكون له دور أكبر في الشؤون العالمية؟

واجه الاتحاد الأوروبي الأزمة المالية العالمية الأخيرة كبقية دول العالم. وبما أن الاتحاد يمثل منطقة نقدية موحدة، فقد كان تأثير الأزمة فيه أكثر من غيره، وربما دامت الأزمة فيه فترة أطول قليلاً. ولكن الوضع الآن في تحسن، والاتحاد الأوروبي يسجل معدل نمو نحو 1.3% أو 1.4%. وهذا المعدل ليس هائلاً، ولكنه بدأ بالتحسن، وهو يسهم إيجابياً في نمو الاقتصاد العالمي. وعندما ننظر إلى المشهد العالمي عام 2014، نرى أن اقتصادات بعض الدول الناشئة قد تواجه صعوبات. ومن المرجح أن تكون معدلات النمو في تلك الدول أدنى مما كانت في الماضي. وفي المقابل نجد أن اقتصادات الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان بدأت بالنمو، ولذلك ستتم المحافظة على النمو العالمي، بل سيزداد النمو العالمي، وهذا يعود بالنفع على جميع الأطراف.

طوال سنوات عدة، رافقتم "خريطة الطريق" للسلام وإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. كيف يمكن إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات؟

كنتُ واحداً من ممثلي الاتحاد الأوروبي الذين شاركوا في عملية السلام الشرق-أوسطية. وقد بدأت قبل مؤتمر مدريد. وكنت عضواً في لجنة ميتشل، التي لم تستمر فترة كافية ولكنها أنجزت عملاً طيباً بوضع خريطة الطريق... إلخ. ثم شاركت في اللجنة الرباعية مع كوفي عنان. ولكن علاقتي مع عملية السلام كانت مخيبة للآمال، وأي شخص عاقل سيتولد لديه الشعور نفسه. هناك الكثير من الجهود التي بذلت لكن دون تحقيق سلام يُذكر. نحن نريد العكس: القليل من الجهود والكثير من السلام. بمتابعة وضع العملية هذه الأيام، نرى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري منهمكاً جداً. في الواقع، زار كيري المنطقة أكثر من أي مسؤول آخر. ولكنني لا أعرف ماذا سيحدث؛ هم يتكتمون حول بنود الاتفاقية المحتملة، وأنا آمل بشدة أن تكون الجهود مثمرة والنتائج مُرضية.

ما أكبر العوائق، التي تواجه عملية التسوية السياسية بالشرق الأوسط، بحسب رأيكم؟

هناك أشياء عدة، ولكن ربما كان الشيء الأهم هو الاحتلال. وهذا يتعلق بالمستوطنات، وبالموقف الإسرائيلي المعلن وهو أن الجندي أو المواطن الإسرائيلي أهم وأغلى من أي فلسطيني. ومع وجود موقف كهذا، من الصعب جداً إطلاق عملية حقيقية جادة تضمن للشعبين أن يعيشا معاً على أساس المساواة. الموقف اليوم يفتقر إلى المساواة والعدالة. هناك احتلال، وعندما يوجد احتلال، لا يمكن تحقيق مساواة. فهل سيتم حل هذه المعضلة؟ آمل أن يتم ذلك. ولكن هناك صعوبات مرتبطة بالاحتلال. وهناك المبادرة العربية ويمكن أن تساعد في حل الصراع. واسمح لي أن أضيف أن المبادرة العربية تقول عندما يتحقق السلام فإن أمن دول عدة سيكون مضموناً من خلال مشروع مشترك. وهكذا نجد أن كل الأشياء مطروحة على طاولة التفاوض، والسؤال الوحيد هو: كيف نصل إلى السلام؟

يوجد الكثير من القلق في هذا الجزء من العالم بسبب البرنامج النووي الإيراني، ولم يتراجع هذا القلق بالضرورة بعد الاتفاق المعلن مؤخراً. هل ترى أن إيران ستلتزم بشروط هذا الاتفاق؟

دعني أبدأ بالقول إنني أشارك في التعاطي مع شؤون إيران منذ عام 2002. وكنت أول مفاوض يتحدث مع الرئيس الحالي حسن روحاني، الذي كان حينذاك يشغل منصب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني. لقد تعرفت إلى حسن روحاني وعلي لاريجاني وسعيد جليلي منذ سنين طويلة. وأعتقد أن العملية الانتخابية السنة الماضية أعطت نتيجة إيجابية. فالرئيس روحاني تبنى موقفاً مختلفاً، وهو موقف بنّاء وأكثر انفتاحاً. وهذا ينطبق على وزير الخارجية جواد ظريف. كنت مع روحاني يوم تسلّمه الرئاسة. قضيت ثلاثة أيام في إيران، وكل شيء أخبرني به يثبت صحته. ولذلك ليس لدي أسباب تدفعني إلى التشكيك في نواياه حتى الآن. إن الاتفاق النووي المؤقت تم توقيعه، ولم ينته الأمر بعد. المفاوضات متواصلة في فيينا. لم يحدث اختراق مهم، إنما تم تحقيق خطوة بالفعل، وآمل أن يتم التوصل إلى اتفاق وفق شروط توافق عليها الأطراف المعنية جميعها.

مع عدم توصل مؤتمر جنيف-2 إلى أي صفقة، وليس هناك أي طرف من السوريين في موقف يتيح له تحقيق مكاسب حاسمة داخل سوريا، فعلى ماذا يجب أن يصب المجتمع الدولي تركيزه في محاولته لحل الأزمة؟ كيف تنظر إلى الوضع الحالي؟

وضع سوريا شديد التعقيد، ولكن اسمح لي أن أقول إن أسوأ ما حدث بخصوص الأزمة السورية هو تلكؤ مجلس الأمن الدولي وعدم اتخاذه قرارات بشأن سوريا. كان يجب التعامل مع المسألة منذ البداية، لإيجاد تسويات داخل مجلس الأمن. كان ذلك يمكن أن يوقف المجازر التي حدثت. الشيء الثاني أن مؤتمر جنيف كان فاشلاً ليس بسبب عدم التوصل إلى حلول سياسية فحسب، بل لأنهم فشلوا في التوصل إلى اتفاق هدنة لإيصال المساعدات الإنسانية. لم نستطع أن نحقق أي خطوة في الاتجاه الصحيح، إذا لم تستطع تحقيق إنجاز لمعالجة الأزمة الإنسانية، فإنه يصبح من الصعب جداً التوصل إلى اتفاق سلام. ولذلك هناك شعور بالإحباط، ولكن علينا الاستمرار في المحاولة. من الصعب جداً أن تكون في موقف يوجد فيه عناصر معارضة متطرفون وانقسام طائفي. في جميع الأحوال، إن النظام السوري هو المسؤول الأكبر، والنظام هو الطرف الذي يجب عليه أن يأخذ الخطوات الأكثر أهمية.

في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس انتقدتم الأمم المتحدة بشأن تعاطيها مع الأزمة السورية. هل تتجه الأمم المتحدة نحو فقدان دورها فيما يخص حل الصراعات السياسية بين الدول؟

جواب: عندما نتحدث عن الأمم المتحدة، يجب أن نتذكر أن مجلس الأمن الدولي هيئة حكومية دولية، والأمين العام للأمم المتحدة ليس قائداً لمجلس الأمن. ولا يستطيع أن يفعل شيئاً يُذكر إذا لم تتوصل الدول الأعضاء المعنية إلى اتفاق، ولذلك عندما نتحدث عن الأمم المتحدة، يجب أن ندرك أننا نتحدث عن هذه الدول في منظمة الأمم المتحدة. نعم كان هناك فشل صريح للتعددية في معالجة الأزمة السورية.

كنت من أنصار التعددية على مر السنين، ولكنك وصفت عام 2013 بأنه "عام نهاية التعددية". بوصفك رجل دولة كيف تنظر إلى التعددية في عالم يصبح على نحو متزايد متعدد الأقطاب؟

عندما ساهمت في صياغة الاستراتيجية الأمنية للاتحاد الأوروبي استخدمت مصطلح "التعددية الفاعلة". لا يجوز أن تكون التعددية مسألة نظرية، ولا يجوز أن تُستخدم فقط لكسب الوقت بدلاً من العمل على حل المشكلات. الهيئة المتعددة الأطراف يجب أن تكون فعالة، وهذا يعني أنها يجب أن تحاول حل المشكلات بدلاً من الاكتفاء بالتحدث عنها. هذا هو الجزء الفعال في التعددية، الذي يخفق أو يضمحل. الهيئة المتعددة الأطراف، كالأمم المتحدة، موجودة ولكنها لا تحل المشكلات. وهذا مخيب للآمال، ولكنني أتمسك بالتفاؤل، والوقت عنصر جوهري في هذه القضايا. التاريخ يمضي بسرعة كبيرة في هذا الزمن، ولذلك يجب حل الأزمات والمشكلات بوتيرة سريعة مماثلة، وإن لم يتحقق ذلك، فإن المشكلات ستطول وتستعصي على الحل.

هل تؤيد إبقاء قوة محدودة لحلف الناتو في أفغانستان، بعد عام 2014؟

كـلا. لا أعتقد أنه يجب على الناتو أن يستمر في أفغانستان. يجب تحقيق نتيجة مشرفة. وأعتقد أن الأمريكيين يتحملون مسؤولية أكبر بشأن المحاولة للتوصل إلى اتفاق أمني مع حكومة كابول. الرئيس كرزاي كما يعرف الجميع ليس شخصاً سهلاً، ولكنني أعتقد أنه غباء من جانب كرزاي إذا لم يتوصل إلى اتفاق أمني.

ما هي رسالتك إلى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في عيد تأسيسه العشرين؟

أنظر إلى مراكز الأبحاث كمركزكم باهتمام كبير. في عالم تهيمن عليه العولمة نحن بحاجة إلى مدخلات من جميع المصادر، ومن جميع الدول، ومن جميع مشارب الحياة. وفي دولة ذات أهمية استراتيجية فائقة، فإن مركزاً كهذا يمكن أن يقدم مدخلات مهمة للحكومة. نحن بحاجة إلى مراكز تتمتع بالحرية، وتوفر حرية التعبير والبحث. وكلما ازداد عدد المراكز المماثلة كان الوضع أفضل.

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز