رئيسة وزراء أستراليا السابقة: المجال مفتوح لتبادل السياسات العامة الناجحة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وأستراليا 16 يناير 2014

في مقابلة حصرية مع الموقع الإلكتروني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أشادت معالي جوليا جيلارد، رئيسة وزراء أستراليا السابقة، بقوة العلاقات التي تربط بين بلادها ودولة الإمارات العربية المتحدة، وبالتطور المتنامي الذي شهدته هذه العلاقات في السنوات الأخيرة، ولاسيما في مجال التعليم، مشيرة إلى أن المجال مفتوح لتبادل السياسات العامة الناجحة بين البلدين في المجالات المختلفة. كما ألقت معاليها الضوء على جملة من القضايا المهمة، بما في ذلك تشريعات معالجة ظاهرة التغّير المناخي، وعلاقات أستراليا مع منطقة الخليج والعالم. وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش المحاضرة التي ألقتها جيلارد في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يوم 15 يناير 2014، بعنوان" "دولة الإمارات العربية المتحدة وأستراليا: خريطة طريق للتعاون في المستقبل". وفيما يلي نص المقابلة:

س: تعد أستراليا قارة بمفردها، وهي فريدة في أوجه عديدة، فهي تتمتع بالسيادة وفي الوقت نفسه عضو في رابطة دول الكومونويلث. مع هذه الهويات المتعددة، كيف ينظر العالم إلى أستراليا؟ وكيف يريد الأستراليون أن يُنظر إليهم من قبل العالم؟ 

ج: أعتقد أن الأستراليين يريدون أن تنظر دول العالم إلى أستراليا على أنها دولة مسالمة، ومتعددة الثقافات، وديمقراطية. أما كيف ننظر نحن إلى العالم، فعندما كنت أشغل منصب رئيس وزراء أستراليا عملت جاهدة لكي تصدر بلادنا "ورقة سياسة" جديدة بعنوان "أستراليا في القرن الآسيوي"؛ لأننا ندرك أننا نعيش في منطقة من العالم ستشهد تغيرات سريعة في هذا القرن. ولذلك، كان تركيزنا على منطقتنا، ولكننا نريد أيضاً أن نُعرف وأن نحظى بالاحترام في كل أنحاء العالم. ولهذا السبب، على سبيل المثال، أطلقنا حملة للحصول على عضوية مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وقد سررنا جداً بالدعم القوي الذي قدمته لنا دولة الإمارات العربية المتحدة في ذلك المسعى. 

س: علاقات أستراليا التجارية مع دولة الإمارات العربية المتحدة بوجه خاص، ومنطقة الخليج بوجه عام، كانت في خط صاعد في السنوات القليلة الماضية. ما المجالات التي تحتاج إلى مزيد من التحسين في رأيكم؟  وماذا يمكن أن يفعل الطرفان لنقل العلاقات التجارية إلى مستوى أعلى؟ 

ج: أعتقد أن هناك صداقة عظيمة جداً بين بلدينا، وهي تتنامى باطراد سنة بعد أخرى. وأعتقد أنه يوجد جوانب وأبعاد في هذه العلاقة تبشر بمزيد من النمو، ولدينا نظرة استراتيجية مشتركة للعديد من القضايا، فإلى جانب تعاوننا في الانتشار الحالي لقوات التحالف الدولي في أفغانستان؛ حيث أرسلت دولة الإمارات العربية المتحدة وأستراليا عدداً معتبراً من جنودهما إلى هناك للمشاركة في حفظ الأمن والاستقرار في هذا البلد– فإننا نتابع ما يحدث من تغيرات متواصلة في منطقة الشرق الأوسط، ونعتقد أنه سيكون هناك فرص كثيرة للعمل معاً من أجل تعزيز السلام والأمن والاستقرار في هذه المنطقة. وعلى الصعيد الاقتصادي، تجمعنا علاقة قوية، ولكن هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن تعزز هذه العلاقة. نحن بالتأكيد نريد أن يتم استكمال اتفاقية التجارة الحرة (FTA) بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وأستراليا. وأعتقد أن العلاقات بين الشعبين متنامية. ولدينا العديد من الطلبة الإماراتيين يدرسون في أستراليا. ويوجد مؤسسات تعليمية أسترالية تعمل هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهناك شركات طيران تربط بين البلدين بطريقة رائعة. ولكن هناك المزيد من الأعمال التي يمكن القيام بها لتحسين العلاقات بين الشعبين.

س: المحادثات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وأستراليا بدأت عام 2007، ولكن يبدو أنها لم تذهب بعيداً. هل هناك جهود تُبذل لحل القضايا العالقة؟ 

ج: فيما يخص اتفاقية التجارة الحرة، أعتقد أن الكرة الآن في ملعب دولة الإمارات العربية المتحدة وسائر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فهم الذين أوقفوا المحادثات لإجراء بعض النقاشات والمشاورات الداخلية فيما بينهم. وأستراليا جاهزة لاستئناف هذه المفاوضات عندما ترى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن الوقت ملائم، ولا أرى أي عقبات أو صعوبات كبرى تمنع إبرام الاتفاقية، حالما تُستأنف المفاوضات.

س: خلال شغلكم لمنصب رئيس وزراء أستراليا، قمتم بالتوقيع على اتفاقية "شراكة استراتيجية مع الصين"، ويُنسب إليكم الفضل في إقامة علاقات متوازنة ومستقرة مع بكين. ما هو تقييمكم للموقف في هذا المجال؟

ج: عندما كنت رئيسة للوزراء، شعرت بسرور بالغ عندما توصلنا إلى اتفاقية مع الصين لتنظيم لقاءات سنوية لقادة البلدين. أستراليا واحدة من الدول القليلة في العالم التي لديها علاقات دبلوماسية ممتازة مع الصين، التي تعد دولة مهمة في منطقتنا، وهي شريك اقتصادي مهم لأستراليا. ولا شك في أن العالم بأسره لديه رغبة في أن يرى الصين تنهض بالطرق السلمية وتأخذ مكانها بوصفها لاعباً عالمياً في نظام دولي قائم على احترام القوانين. وآمل أن تواصل الحكومة الأسترالية الحالية العمل في هذا الاتجاه، لإرساء علاقات قوية مع الصين. 

س: تمثل ظاهرة التغيّر المناخي قضية مهمة في أجندتكم السياسية. وقد تمت مناقشة آرائكم بشأن ضريبة الكربون في مؤتمر الطاقة السنوي الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، كما وجدت آراؤكم صدى في هذا الجزء من العالم، حيث تُبذل جهود كبيرة في هذا الميدان. كيف يمكن لكل من الطرفين (دولة الإمارات العربية المتحدة وأستراليا) أن يستفيد من خبرة الآخر في هذه القضية؟ 

ج: أعتقد أن بلدينا يقعان في أماكن حارة وجافة، ومع التغيّر المناخي الذي يحصل في العالم، هناك مخاطر كبيرة علينا، وعلى الناس في كل أنحاء المعمورة. والآلية الأكثر فعالية لتقليل انبعاث الكربون والتلوث الذي يسببه هي فرض سعر/ضريبة عليه. وهناك خطة تراعي وضع السوق، وخطة للمتاجرة بالانبعاثات الضارة. هذا ما طرحته في أستراليا. وقد تم انتخاب الحكومة الحالية بناء على أجندة تعد بإلغاء سعر/ضريبة الكربون، ولكن ذلك التشريع لا يزال يُدرس في برلماننا. وهو الآن مطروح للنقاش العام. 

س: بحسب تقييمكم، هل سيتم تمرير هذا القانون في البرلمان؟

ج: الحكومة الحالية تمتلك الأغلبية في مجلس النواب، ولكن الأمر ليس كذلك في مجلس الشيوخ، ولذلك لم يتضح بعد ماذا سيحدث بشأن هذا التشريع. بكل تأكيد أنا آمل أن يسود التعقل وأن نحافظ على الآلية الأكثر فاعلية لتقليص انبعاثات الكربون. 

س: لقد ذكرتم أن هناك عدداً كبيراً من الطلبة الإماراتيين يسافرون إلى أستراليا بقصد الدراسة. من الواضح أنه يوجد تعاون كبير بين الطرفين في حقل التعليم. ماذا تتوقعين من الطرفين أن يفعلا لتحسين مستوى التعاون في هذا المجال؟ 

ج: أعتقد أننا يجب أن نركز بشكل أكبر على التبادل العلمي. هناك عدد من الطلبة الإماراتيين في أستراليا، ولدينا جامعات أسترالية هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة. وأعتقد أن أقدم جامعة أجنبية على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة هي جامعة أسترالية. وآمل أن نبني على هذه العلاقات الجيدة، وليس هذا فحسب، بل آمل أن نقوم بتعميق التعاون والتبادل بين بلدينا في مجال السياسة العامة. في حياتي الجديدة، وفي أحد جوانب حياتي أحمل عضوية معهد بروكينجز، كباحث أول غير مقيم، وأعمل مع فريق معهد بروكينجز على موضوعات: التعليم، والمساواة في التعليم، وقياس مستوى التعليم، وتحسين مستوى التعليم، في كل أنحاء العالم. وإذا كان هناك أشياء نستطيع أن نفعلها في حقل السياسة العامة، فإن ذلك سيكون مثيراً للغاية. 

س: بوصفك سيدة نهضت من صفوف عامة الناس وأصبحت أول امرأة تشغل منصب رئيسة وزراء أستراليا، كيف تلخصين رحلتك كسياسية؟ وأين ترين نفسك في المستقبل؟ 

ج: أكتب الآن كتاباً عن الفترة التي كنت فيها رئيسة للوزراء. في منتصف العمل، أخذت استراحة قصيرة لأزور دولة الإمارات العربية المتحدة. وسيتم نشر هذا الكتاب في وقت لاحق من هذا العام، وأتطلع إلى ذلك اليوم بفارغ الصبر. وأنا أستمتع بعملي مع معهد بروكينجز، حيث يتركز عملي على قضية التعليم. ولدي فرصة للسفر والتحدث (إلقاء محاضرات) في أماكن عديدة، في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك هذا المركز المرموق؛ مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. كما سأقوم بإلقاء محاضرات كأستاذ زائر في جامعة بلدتي الأصلية جامعة أديليد. وبذلك يكون جدول أعمالي مليء تماماً. أما إذا أردنا التحدث عن رحلتي الماضية، فأنا فخورة جداً بالإنجازات التي حققتها الحكومة التي ترأستها. وقد تحدثت عن بعض أبعاد السياسة الخارجية (في المحاضرة). ومن الأعمال التي تم إنجازها: فرض سعر على انبعاثات الكربون، والعمل لتطوير التعليم، والعمل للتأكد من أن المعاقين في أستراليا يتلقون الرعاية والدعم. وبالتالي هناك أشياء كثيرة، أفخر بها، وكوني أول امرأة تشغل منصب رئيسة الوزراء في بلدي كان شرفاً خاصاً لي. 

س: أستراليا خاضت صراعاً طويلاً لبناء مجتمع متعدد الثقافات فعلاً، هل أنت سعيدة بما وصلت إليه الأمور اليوم، وبالطريقة التي تتقدم فيها في هذا المجال؟ 

ج: أستراليا دولة نستطيع أن نفخر بها فعلاً، وأحد الأشياء التي تشكل مصدر فخر خاص هو الطريقة التي أصبحت فيها بلادنا موطناً لمجتمع متنوع حقاً، ومتعدد الثقافات، ومسالم، وفي هذا المجتمع يُعتبر التنوع هو الأصل والقاعدة ويحظى بالاحترام. أنا مهاجرة إلى أستراليا، هاجرت إليها عندما كنت طفلة من المملكة المتحدة، وترعرعت وكبرت إلى أن أصبحت رئيسة للوزراء. ويوجد في بلادنا مواطنون أستراليون ينحدرون من جميع أنواع الأصول ومن بلدان عديدة، ويأخذون مكانهم المناسب في المجتمع الأسترالي. ولذلك هناك الكثير من الأشياء التي تدعو إلى الفخر. وبالطبع، عندما تعمل لبناء مجتمع متعدد الثقافات لا تستطيع أن تقول في يوم من الأيام إن المهمة اكتملت. وعلى الإنسان الراغب ببناء مجتمع على هذا النحو أن يضع في اعتباره دائماً أن التسامح والتعايش والرعاية الشاملة للجميع مشروع مستمر لا ينتهي. 

س: إن مسألة السيادة الوطنية أصبحت في بعض المناسبات مسألة مثيرة للخلاف بين بريطانيا وأستراليا. ما هي النظرة السائدة بين الأستراليين بشأن هذه المسألة؟

ج: أعتقد أن أستراليا ستصبح جمهورية في نهاية المطاف. وسيكون لدينا رئيس دولة أسترالي من بيننا. وهناك شيء ما سيحدث حتماً في هذا الصدد في مستقبل أستراليا، ولكنه ليس موضوعاً ساخناً وليس موضع جدل محلي في هذه اللحظة. أعتقد أن هذا الموضوع سيعود للظهور في المستقبل مع مزيد من الاهتمام من جانب أستراليا، وعند ذلك ربما تتخذ أستراليا القرار للتحرك لكي تصبح جمهورية. أعتقد أنه لدينا شعور واضح بشأن هويتنا الخاصة، حتى في ظل الترتيبات الدستورية الحالية. 

س: ما الرسالة التي ترغبين في توجيهها إلى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في الذكرى العشرين لتأسيسه؟ 

ج: لقد سررت حقاً بدعوتي للتحدث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. وأنا معجبة جداً بعمل المركز وإنجازاته. وأعتقد أن هذه السنة ستكون سنة رائعة؛ لأنها تحمل الذكرى العشرين لتأسيس المركز. لذلك أقدم التهاني الصادقة لكل المشاركين في أعمال المركز. 

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز