تحديد:        
     
 
المصدر : جريدة الاتحاد (أبوظبي-الإمارات)
التاريخ: 5 ديسمبر 2017
 
«الحكومة الذكية».. إسعاد المواطن الهدف الأسمى
 

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

على الرغم من أن دولة الإمارات العربية المتحدة تتبنَّى رؤية تنموية تقوم على الاقتصاد الحر، وتشجيع القطاع الخاص، بصفته شريكاً أساسياً في التنمية، فإنها في الوقت نفسه ترى أن دور الحكومة هو دور محوري وأساسي، وأن رفاهية المواطن وسعادته وتقدمه هي مسؤولية حكوميَّة في المقام الأول، وأن الاقتصاد الحر لا يعني تخلِّي الحكومة عن مسؤولياتها في تقديم الخدمات، والنهوض بالصحة والتعليم والإسكان وغيرها.

ولكن لكي تكون الحكومة قادرة على الوفاء بالتزامات هذه المسؤولية، فإنها تحتاج إلى تطوير ذاتها وآليات عملها، وتغيير الصورة النمطية السلبية عنها، التي تسِمها بالبطء وعدم التطور والجمود البيروقراطي، حتى تستطيع منافسة القطاع الخاص في الكفاءة والفاعلية. وفي هذا السياق جاءت مبادرة «الحكومة الذكية» التي أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في الثاني والعشرين من مايو 2013، بهدف أساسيٍّ هو تحقيق السعادة للمواطن الإماراتي، حيث حدَّد سموه أهم سمات هذه الحكومة الذكية في أنها حكومة لا تنام، وتعمل على مدار الساعة، ومضيافة كالفنادق، وسريعة في معاملاتها، وقوية في إجراءاتها، ومبتكرة، ولديها القدرة على الاستجابة السريعة للمتغيِّرات، وتذهب إلى المواطن في كل الأوقات وكل الأماكن داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، إضافة إلى أنها تسهِّل حياة الناس، وتستجيب لتطلُّعاتهم.

ولا يمكن فصل مبادرة «الحكومة الذكية» عن رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حول دور الحكومة بشكل عام، وعلاقة هذا الدور بتقدُّم المجتمع أو تأخره، حيث يرى سموه أن هذا الدور هو محدِّد أساسي لقدرة أي دولة على التقدم، أو التراجع، وهو ما عبَّر عنه بوضوح في مقاله الذي نُشِر في 4 فبراير 2015 بعنوان «الدول بين الابتكار والاندثار»، حيث قال سموه بوضوح إنه «إذا لم تبتكر الحكومات في طرائق التعليم مثلاً، وتُعِدَّ جيلاً جديداً لزمان غير زمانها، فحتماً ستشيخ تلك الحكومات، وحتماً ستتأخر شعوبها»، وخلص سموه إلى أنه «عندما تكون الحكومات مبتكرة، فإن بيئة الدولة تكون كلها مبتكرة». ودعا سموه الحكومات، حتى لا تشيخ، إلى الاقتداء بأفضل ممارسات القطاع الخاص والعمل بآلياته، أي أن تدير الحكومة شؤونها بمنطق الشركة.

ومن هذا المنطلق جاءت المبادرات الكثيرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، على مستوى تطوير عمل الحكومة، والاستفادة من الخبرات العالمية في هذا الشأن من خلال «القمة العالمية للحكومات» التي بدأت دورتها الأولى عام 2013، بمبادرة من سموه، وتُعقَد بشكل سنوي في دبي بحضور عالمي متميز من كبار المسؤولين والخبراء والمتخصِّصين والمعنيين بتطوير العمل الحكومي على المستوى العالمي. وإضافة إلى مبادرة «القمة العالمية للحكومات» ثمَّة مبادرات عدَّة أخرى لسموه تصب كلها في العمل على تطوير عمل الحكومات، وتحويلها إلى مؤسسات فاعلة وكفؤة، لعل أبرزها: «مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي»، و«مختبر الإبداع الحكومي»، و«جائزة محمد بن راشد للأداء الحكومي المتميز»، و«برنامج الإمارات للخدمة الحكومية المتميزة».

إن تحقيق التنمية المستدامة لا يرتبط بالموقع الجغرافي، أو وفرة الموارد الطبيعية والمالية، أو الكتلة البشرية فحسب، وإنما بتوافر البيئة المساعدة على التقدم أيضاً، وأهمُّ عناصر هذه البيئة هو الحكومة الفاعلة، والإدارة المبتكرة والذكية، والآليات التي تشجع على الاستثمار وممارسة الأعمال، فضلاً عن منظومة متقدمة ومتطورة للخدمات في المجالات كافة. وقد تنبهت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ذلك منذ عهد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومن ثمَّ غدت تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، رائدة في مجال تطوير العمل الحكومي، ليس على المستوى العربي أو الإقليمي فحسب، وإنما على المستوى العالمي أيضاً، وتسعى دول عدَّة في العالم إلى تعرُّف خبراتها في هذا الشأن، والاستفادة منها، والتعاون معها، ولعل الحضور الدولي الكبير للقمة العالمية للحكومات سنوياً هو مؤشر مهم في هذا الشأن.

ولا تنفصل مبادرة «الحكومة الذكية»، وما سبقها وما تلاها من مبادرات تهدف إلى إيجاد حكومة عصرية فاعلة تستجيب بسرعة وكفاءة للمتغيرات المحيطة بها، عن رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة للمستقبل، وموقعها فيه على المستويات كافة، ومن هنا جاءت «حكومة المستقبل» التي أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام 2016، والتي شهدت في أكتوبر 2017 تعديلاً حكومياً تضمَّن استحداث مناصب وزارية جديدة لتعزيز التعامل مع متطلبات المستقبل، حيث تم تعيين وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ووزير دولة للتعامل مع ملف العلوم المتقدمة، ووزير دولة للتعامل مع ملف الأمن الغذائي. وقد وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، طبيعة المرحلة الجديدة، مؤكداً أن «عنوانها مهارات المستقبل، وعلوم المستقبل، وتكنولوجيا المستقبل، لأننا نسعى إلى التأسيس لمئوية نؤمِّن من خلالها مستقبل أجيالنا»، وأن «الموجة العالمية المقبلة هي الذكاء الاصطناعي، ونريد أن نكون الدولة الأكثر استعداداً لها».

إن اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بتفعيل عمل الحكومة وتعزيز دورها في عملية التنمية بمفهومها الشامل يجسِّد رؤية تنموية متقدمة أثبتتها التطورات على الساحة الدولية، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي كان تراجع دور الدولة الاقتصادي والتنموي بشكل عام أحد أهم أسبابها، ولذلك طالب الخبراء بعدها بإعادة الاعتبار إلى هذا الدور للدولة بوصفه صمام الأمان، ليس على المستوى السياسي والأمني فحسب، وإنما على المستوى الاقتصادي أيضاً. ولكن أهم ما يميز النهج الإماراتي في هذا الشأن هو التوازن، بمعنى خلق بيئة تشجع التنافس بين الحكومة والقطاع الخاص، لكن من دون أن يطغى أيٌّ منهما على الآخر، أو أن يتخلى طرف عن مسؤولياته التي لا يمكن لغيره القيام بها. وقد وقعت دول نامية كثيرة، في تحولها من الاقتصاد الموجَّه إلى الاقتصاد الحر، في مشكلة خطِرة هي أنها همَّشت دور الحكومة في المجال التنموي، وعدَّته من الماضي الذي يجب التخلص منه، أو على الأقل تقليصه إلى أدنى حدٍّ ممكن، ما أدى إلى تشوهات واهتزازات اقتصادية نالت من استقرار هذه الدول وأمنها، خاصة أن خططها التنموية لم تحقق أهدافها المرجوة، لكن دولة الإمارات العربية المتحدة كان لها نهج آخر هو الانفتاح الاقتصادي، وتهيئة الظروف للقطاع الخاص للعمل بكل حرية، وفي الوقت نفسه إعادة تأهيل الحكومة، وتطوير آليات عملها، حتى تكون قادرة على منافسة القطاع الخاص، وهذا هو مصدر تميزها وتفرُّدها الذي صنعته المبادرات الرائدة في هذا الشأن، ومنها مبادرة «الحكومة الذكية» وما جاء بعدها.

 

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=96686