تحديد:        
     
 
المصدر : جريدة الاتحاد (أبوظبي-الإمارات)
التاريخ: 1 مايو 2018
 
وظائف المستقبل وأهمية تنمية القوى البشرية المواطنة
 

يبدأ التخطيط للمستقبل من الإعداد الجيد للنشء، وتأهيل الأجيال الشابة وتسليحها بالأدوات والمعارف والمهارات التي تجعلها قادرة على التكيف مع التغييرات العالمية المتسارعة في المجالات التنموية والمعرفية كافة. هذه الخلاصة ليست اكتشافاً علمياً، أو اختراعاً لفلسفة تنموية جديدة، وإنما حقيقة ثابتة أدركها البشر منذ قرون طويلة، وبرهنت على صدقيتها كل تجارب التنمية والنهضة الحديثة في العالم كله، شرقه وغربه وشماله وجنوبه. ولا يكاد يختلف اثنان على هذه الحقيقة، ولكن الذي كان يحدِث الفارق دائماً، ويميز بين الأمم الناهضة المتوثبة وتلك الراكدة والجامدة في مكانها، هو الالتزام الفعلي بهذه الحقيقة، وترجمتها إلى خطط واستراتيجيات وسياسات تستثمر في الأجيال الشابة، وتعدها الإعداد الجيد الذي يؤهلها للتعامل مع متطلبات المستقبل، وقبل ذلك كله استشراف هذا المستقبل، ومعرفة كيف سيكون؛ حتى يمكن إعداد أبنائنا للتعامل معه بالصورة المثلى، وعدم النظر إليه على أنه غيب يجب عدم الخوض فيه؛ لأن استشراف المستقبل غدا علماً له قواعده ومعاهده وأكاديمياته المتخصصة التي تلتقط المؤشرات والإشارات، وتبني عليها استنتاجات ومبادئ عامة لتفسير وتوقع ما هو آتٍ في المجالات المختلفة. وللأسف فإن علوم المستقبل لم تأخذ مكانها الذي تستحقه في مؤسساتنا العلمية والتعليمية بالعالم العربي، ومن هنا جعل مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية مؤتمره السنوي الثالث والعشرين، الذي عُقِد خلال الفترة من 20 إلى 21 مارس 2018 تحت عنوان «الدراسات المستقبلية»، كمبادرةً من قبله لتعميق الوعي بأهمية هذه الدراسات، وضرورة الاهتمام بها، وبالمستقبل بشكل عام.

 

وظائف المستقبل

وفي هذا السياق؛ فإن حديثنا عن وظائف المستقبل لا ينفصل عن مسألتين على قدر كبير من الترابط والأهمية، الأولى هي قضية تنمية وتطوير الموارد البشرية المواطنة، وربطها بسوق العمل، ومدى ملاءمة مخرجات التعليم للحاجات الفعلية لهذا السوق في دولة الإمارات العربية المتحدة، والثانية هي طبيعة الاقتصادات المستقبلية، والقطاعات القائدة فيها، ومدى فاعلية وكفاءة أساليب التعليم والتدريب القائمة للتكيف معها وتلبية حاجاتها من الموارد البشرية المواطنة. وعملاً بمقولة إن المقدمات ترهن الخواتيم تكشف متابعة البيئة الاقتصادية العالمية عن حقيقة أن العالم أصبح يعيش في عصر الاقتصاد القائم على المعرفة، الذي يتم من خلاله توظيف المعرفة والتكنولوجيا الحديثة في خلق وتطوير منتجات وخدمات وأنشطة اقتصادية مبتكرة ومتطورة، تضمن تعزيز الثروات الوطنية، وإدامة النمو والازدهار. ففي عالم اليوم أصبحت المعرفة هي المصدر الأساسي للثروة، وتتصدر شركات تكنولوجيا المعلومات قائمة كبرى الشركات العالمية من حيث القيمة السوقية، وأصبحت الأفكار المبتكرة والمبدعة هي أثمن ما يمكن أن تملكه الدول والمجتمعات؛ لأن هذه الأفكار هي وحدها القادرة على إحداث تغييرات جذرية في بيئة الاقتصادات، ونقل المجتمعات والشركات والمؤسسات من مستوى تنموي إلى مستوى آخر أكثر تطوراً.

 

وقد حقق الاقتصاد العالمي، في العقدين الأخيرين، قفزات كبيرة على طريق الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد المبني على المعرفة، وبالتوازي مع ذلك حدثت تحولات مهمة في طبيعة الوظائف بأسواق العمل العالمية، مع تزايد حاجة الاقتصادات إلى خبرات بشرية تعتمد على المعرفة واستخدام العقل والتفكير وامتلاك مهارات الابتكار وتكنولوجيا المعلومات، أكثر من اعتمادها على الجهد البدني، فوفقاً لدراسة أجرتها شركة ماكينزي في مايو 2017 تحت عنوان «Technology, Jobs, and the future of Work»؛ فإن ثلث الوظائف الجديدة التي تم استحداثها في الولايات المتحدة الأميركية، خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية، ترتبط بمجالات تكنولوجيا المعلومات وتصنيع الأجهزة والتطبيقات والأنظمة المرتبطة بها، وإن شبكة الإنترنت دمرت نحو 500 ألف وظيفة في فرنسا خلال الأعوام الخمسة عشر السابقة، لكنها في المقابل أوجدت 1.2 مليون وظيفة جديدة، أي بزيادة صافية قدرها 700 ألف وظيفة.

 

تحديات الثورة التكنولوجية

ووفق تقرير صدر عن البنك الدولي في سبتمبر 2013 بعنوان:?Connecting to Work: How ICTs Are Expanding Job Opportunities Worldwide، وظّف قطاع تكنولوجيا المعلومات نحو 14 مليون شخص في العالم عام 2011، بزيادة نحو 6% على عام 2010، في وظائف كان من بينها 466 ألف وظيفة خلقها قطاع تطبيقات الهاتف المحمول وحده.

 

وهكذا فإن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفرت مجالات جديدة لخلق الوظائف، ليس من خلال العمل المباشر أو غير المباشر في هذه القطاعات فقط، وإنما كذلك من خلال ما وفرته من آليات ووسائل سهَّلت عملية الربط بين أرباب الأعمال والباحثين عن عمل؛ ما أتاح توفير ملايين الوظائف للعمال والموظفين، لكن هذه الثورة التكنولوجية والمعرفية خلقت في المقابل تحديات كبيرة أمام العمال والموظفين الجدد غير المؤهلين للتعامل مع مثل هذه التطورات، بشكل زاد من معدلات البطالة في صفوفهم، ولاسيما في القطاعات والمجالات التي شهدت اتجاهات متزايدة نحو الاعتماد على الآلات البديلة للبشر.

 

وتؤكد الدراسات والتطورات الراهنة كافة، أن هذا التوجه العالمي المتزايد نحو الاقتصاد المعرفي سيتزايد مستقبلاً، وسيشهد العالم على الأرجح طفرات كبيرة في قطاعات الاقتصاد المعرفي كافة، ولاسيما فيما يتعلق بمجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مثل إنترنت الأشياء، ومعالجة البيانات الضخمة (Big Data)، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وغيرها من المجالات والتطورات التي سيكون تأثيرها كبيراً في القوى العاملة وعمليات التوظيف، ولاسيما مع الاتجاه العالمي المتزايد نحو أتمتة غالبية الوظائف، حيث تشير تقديرات جامعة أكسفورد، في تقرير أصدرته في يناير 2016، إلى أن 57% من الوظائف في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مهددة بالخطر بسبب قابليتها للأتمتة، وتصل هذه النسبة إلى 77% في الصين، و69% في الهند، و47% في الولايات المتحدة الأميركية، فيما تشير دراسة شركة ماكينزي، السابق الإشارة إليها، إلى أن الاتجاهات العالمية الراهنة في مجال الأتمتة قد تؤثر في 50% من الاقتصاد العالمي، أو نحو 1.2 مليار موظف في المستقبل، وأن 60% من الأنشطة الحالية يمكن أتمتة ما لا يقل عن 30% منها.

 

الروبوتات محل البشر

ومن ناحية أخرى تؤكد الدراسات العلمية الجادة أن كثيراً من الوظائف القائمة حالياً ستختفي في المستقبل، ففي مقال نشره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يوم 4 فبراير 2015، تحت عنوان: «الدول بين الابتكار والاندثار»، أشار إلى بعض الدراسات التي تبين أن نحو 65% من الطلاب في مرحلة رياض الأطفال سيعملون في وظائف غير موجودة حالياً، وسيتم استحداثها، وهي تقديرات يدعمها الكثير من التقارير والدراسات الدولية، التي تؤكد أن التكنولوجيا ستغير من طبيعة الوظائف المستقبلية، وأن الروبوتات وأجهزة الذكاء الاصطناعي ستحل محل البشر في أداء الكثير من الأعمال.

 

وعلى الرغم من المخاطر التي يمكن أن ينطوي عليها هذا الأمر، ولاسيما فيما يتعلق بمخاوف ارتفاع معدلات البطالة العالمية، وما قد يؤدي إليه ذلك من توترات أمنية واجتماعية وسياسية تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي، ولاسيما في الدول والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، فإن ما قد يخفف من هذه المخاوف هو أن الثورة المعرفية والتكنولوجية ستخلق بدورها الكثير من الوظائف في القطاعات المرتبطة بها، مثلما حدث مع ثورة الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات، ومن أبرز هذه القطاعات المؤهلة لاستقطاب العمالة وخلق الوظائف في المستقبل: قطاع تكنولوجيا المعلومات، وقطاع الصناعة، ولاسيما الصناعات عالية التقنية، مثل الروبوتات والسيارات ذاتية القيادة، والطابعات ثلاثية الأبعاد، وغيرها من القطاعات والمجالات.

 

مهارات للأجيال الجديدة

وحتى يمكننا التكيف مع هذه التطورات المستقبلية، وتلبية احتياجات سوق العمل المستقبلي، فإن ثمة مجموعة من المهارات الأساسية التي ينبغي العمل على إكسابها لأجيالنا الجديدة والقادمة، حتى نمكنها من العمل في بيئة عالمية سريعة التغير، وهذه المهارات لا تركز على اكتساب المعارف فقط، ولكن كذلك، وبصورة أكبر، على مهارات التفكير النقدي والإبداع والابتكار، وحل المشكلات والتعاون مع الآخرين، والقدرة على اتخاذ القرار وإدارة الأفراد، وتوجيه الخدمات والتفاوض والمرونة الإدراكية، وغير ذلك من المهارات التي تضمَّنها تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الذي صدر عام 2016 بعنوان «مستقبل الوظائف». وإضافة إلى ما سبق؛ فإن الأمر يتطلب مراجعة شاملة لكل أساليب التعليم والتدريب والتأهيل الحالية التي ربما لم تعد صالحة للتجاوب مع وظائف المستقبل، والعمل بقوة على إعادة تأهيل العاملين الحاليين في القطاعات المختلفة حتى يكونوا قادرين على امتلاك المهارات التي يتطلبها التوظيف في المستقبل. ولا شك في أن هذا تحدٍّ كبير للدول والحكومات، لكن لا بديل لمواجهته الآن وليس غداً؛ لأن حركة التغيير في هذا المجال أسرع ممَّا قد يتصوره الكثيرون.

 

ولعل ما يبعث على الارتياح في دولة الإمارات العربية المتحدة أن الله، عز وجل، قد منَّ علينا بقيادة رشيدة تدرك حقيقة كل ما يدور حولها في العالم من تطورات وتغييرات، وتملك الرؤية المستقبلية الواعية والثاقبة التي تجعلها تسبق المجتمع، وتجاري العالم المتقدم في محاولة استشراف المستقبل، والتخطيط الجيد للتأقلم معه، وتحقيق السبق فيه، وهو ما تؤكده سلسلة المبادرات التي أطلقتها هذه القيادة الحكيمة، حفظها الله، بهدف تجهيز دولة الإمارات العربية المتحدة وأبنائها للثورة المعرفية والتكنولوجية المقبلة، وعلى رأسها إطلاق «استراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة» كأساس للانطلاق نحو الاستثمار في قطاعات المستقبل القائمة على الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والحوسبة السحابية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وإنترنت الأشياء، بالتوازي مع زيادة الاهتمام بقضايا التعليم والتدريب، لإعداد أجيال إماراتية تملك مهارات وقدرات التعامل مع هذه الثورة المعرفية المقبلة.

 

مصدر الخبر

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=98620