الشرق الأوسط
التداعيات المحتملة لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس 7 ديسمبر 2017

ينطوي قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس، بنقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مدينة القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل على مخاطر حقيقية، ليس بالنسبة إلى عملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي فقط، وإنما على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بوجه عام أيضاً؛ بالنظر إلى ما تمثله المدينة من مكانة استثنائية لدى العرب والمسلمين جميعاً.

في الوقت الذي تصاعدت فيه حدَّة التحذيرات العربية والإسلامية والدولية من مغبة قيام الولايات المتحدة الأمريكية بنقل سفارتها إلى مدينة القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، فإن الرئيس دونالد ترامب لم يلتفت إلى هذه التحذيرات، واعترف، أمس، بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووجه وزارة الخارجية ببدء التحضيرات لنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، وذلك ترجمة للوعود الانتخابية التي قطعها ترامب على نفسه إبان حملته الانتخابية.

على أي حال؛ فإن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بنقل سفارتها إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل قد يؤدي إلى تداعيات خطِرة لعل أبرزها:

* تدمير فرص إحياء المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية: لا شك أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس يصيب عملية السلام في مقتل؛ لأنه يعني تجاوز مرجعيات عملية السلام والأسس التي قامت عليها؛ فكما هو ثابت فإن مدينة القدس تُعَدُّ إحدى قضايا التفاوض الرئيسيَّة، وفقاً لكل مرجعيات العملية السلمية منذ «مؤتمر مدريد للسلام» في عام 1992، وهي مرجعيات كانت الأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى شاهدة عليها، وراعية لها؛ ولهذا فإن الخطوة الأخيرة تخالف القرارات الدولية، التي أكدت حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية الراسخة في القدس التي لا يمكن المساس بها، أو محاولة فرض أمر واقع عليها.

* استفزاز مشاعر العرب والمسلمين كافة حول العالم؛ بالنظر إلى المكانة الدينية السامية للمدينة على المستويين العربي والإسلامي؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى عودة التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالمين العربي والإسلامي، وبالتالي التأثير في التعاون بين الجانبين في الكثير من القضايا، على النحو الذي جسَّدته القمة الأمريكية - الإسلامية التي استضافتها العاصمة السعودية الرياض في مايو الماضي، والتي دشنت وقتها لبداية شراكة حقيقية بين الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية؛ لمواجهة التطرف والإرهاب، وعوامل عدم الاستقرار الإقليمي بوجه عام. ولا يخفى على أحد أن قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، قد يؤثر في هذه الشراكة مستقبلاً، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن قضية القدس وعملية السلام بوجه عام من القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار الإقليميَّين.

* اتساع التوجهات الراديكالية والمتشددة التي يمكن أن تفجِّر المنطقة كلها؛ لأن الإصرار على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، يمنح الجماعات المتطرفة والإرهابية فرصة جديدة لإعادة الانتشار من بوابة الدفاع عن مدينة القدس، التي تمثل رمزاً كبيراً للمقدسات الدينية على المستويين العربي والإسلامي، وهذا قد يؤثر سلباً في الحملة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم «داعش» والإرهاب بوجه عام، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن هذه الجماعات قد تلجأ إلى توظيف هذه الخطوة في نشر أفكارها المتطرفة والهدامة، والتحريض على العنف والكراهية.

* احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة؛ فإذا كانت انتفاضة الأقصى، التي انطلقت عام 2000 واستمرت سنوات عدَّة؛ احتجاجاً على دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، إرييل شارون، باحة المسجد الأقصى المبارك، تشير إلى ما يمكن أن يؤدي إليه أي عبث إسرائيلي بالقدس، أو المقدسات فيها من مخاطر كبيرة؛ فما بالنا بخطوة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وما يمكن أن ينتج عنها في الداخل الفلسطيني؟ المؤكد أنها ستفجِّر شحنات الغضب في الداخل الفلسطيني، وقد تطلق الشرارة لانتفاضة جديدة أكثر قوة من الانتفاضات السابقة؛ لأنها تأتي هذه المرة حمايةً ودفاعاً عن مدينة القدس.

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز